جمال عبد الناصر
Gamal Abdel Nasser
سيرة الزعيم الخالد وصانع تاريخ مصر الحديث
تعد شخصية الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر واحدة من أكثر
الشخصيات تأثيراً في التاريخ المعاصر، ليس فقط على مستوى الدولة المصرية، بل على مستوى
الوطن العربي والقارة الأفريقية ودول العالم الثالث بأكملها. لم يكن عبد الناصر مجرد
رئيس جمهورية، بل كان رمزاً لحركات التحرر الوطني، وصوتاً نادى بالعدالة الاجتماعية
والكرامة الإنسانية في وقت كان فيه العالم يرزح تحت وطأة الاستعمار.
في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل مسيرة "ناصر"، منذ
نشأته وصولاً إلى قيادته لثورة 23 يوليو، وإنجازاته الكبرى، والتحديات التي واجهته،
وإرثه الذي لا يزال يثير الجدل والإعجاب حتى يومنا هذا.
النشأة والتكوين: من قرية "بني مر" إلى
الكلية الحربية
ولد جمال عبد الناصر حسين خليل سلطان في 15 يناير 1918، في حي
باكوس بمدينة الإسكندرية. لكن جذوره الحقيقية تمتد إلى صعيد مصر، وبالتحديد قرية
"بني مر" في محافظة أسيوط. نشأ في أسرة من الطبقة المتوسطة المكافحة؛ حيث
كان والده يعمل في هيئة البريد، مما سمح لجمال بالتنقل بين مدن مصر المختلفة ورؤية
معاناة الشعب المصري تحت وطأة الاحتلال البريطاني والنظام الملكي الإقطاعي.
تلقى تعليمـه الابتدائي والثانوي في عدة مدارس، وظهرت لديه الميول
السياسية مبكراً؛ حيث شارك في المظاهرات الطلابية ضد الاحتلال البريطاني، وتعرض للإصابة
والاعتقال في سن صغيرة. في عام 1937، التحق بالكلية الحربية، وهي الخطوة التي غيرت
مجرى حياته ومجرى تاريخ مصر، حيث التقى هناك برفاق دربه الذين سيشكلون لاحقاً تنظيم
الضباط الأحرار.
ثورة 23 يوليو 1952: فجر جديد لمصر
بعد تخرجه، خدم عبد الناصر في السودان ثم في فلسطين خلال حرب
1948. هناك، وسط "حصار الفالوجا"، تبلورت لديه فكرة ضرورة التغيير الجذري
في الداخل المصري كسبيل وحيد لتحرير الأرض واستعادة الكرامة.
في ليلة 23 يوليو 1952، قاد عبد الناصر مع مجموعة من الضباط الشباب
تحركاً عسكرياً أطاح بالملك فاروق.
بدأت الثورة بستة مبادئ أساسية كانت بمثابة خارطة طريق لمستقبل
البلاد:
• القضاء
على الاستعمار وأعوانه.
• القضاء
على الإقطاع.
• القضاء
على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
• إقامة
عدالة اجتماعية.
• إقامة
جيش وطني قوي.
• إقامة
حياة ديمقراطية سليمة.
الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية: عصر "السد
العالي"
لم تكن ثورة عبد الناصر مجرد تغيير في نظام الحكم، بل كانت ثورة
اجتماعية شاملة. ركز ناصر على تحسين حياة "الفلاحين" والعمال، الذين كانوا
يمثلون الأغلبية الساحقة من الشعب.
1. قانون الإصلاح الزراعي
كان أول قرار ثوري اتخذه ناصر هو تحديد الملكية الزراعية، حيث
تم انتزاع الأراضي من الإقطاعيين وتوزيعها على الفلاحين الفقراء. هذا القرار لم يكن
اقتصادياً فحسب، بل كان ضربة قاصمة للنظام الطبقي القديم.
2. بناء السد العالي
يعتبر السد العالي في أسوان أعظم مشروع هندسي وتنموي في تاريخ
مصر الحديث. واجه ناصر ضغوطاً دولية هائلة وسحب البنك الدولي تمويله، لكنه أصر على
التنفيذ بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي. وفر السد الحماية من الفيضانات، ووسع الرقعة
الزراعية، ووفر الطاقة الكهربائية اللازمة للنهضة الصناعية.
3. مجانية التعليم والنهضة الصناعية
آمن عبد الناصر بأن التعليم هو "الماء والهواء"، فجعل
التعليم الجامعي مجانياً للجميع، مما سمح لأبناء الفقراء بتولي أرقى المناصب. كما أنشأ
أكثر من 1200 مصنع، شملت صناعات الحديد والصلب، الغزل والنسيج، والصناعات الحربية،
سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي 1956
في 26 يوليو 1956، أعلن جمال عبد الناصر قراره التاريخي بـ تأميم
الشركة العالمية لقناة السويس لتكون شركة مساهمة مصرية. كان هذا القرار بمثابة زلزال
هز العواصم الغربية.
رداً على ذلك، شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هجوماً عسكرياً على
مصر فيما عرف بـ العدوان الثلاثي. ورغم الضغوط العسكرية، نجح ناصر في تحويل الهزيمة
العسكرية إلى انتصار سياسي كاسح، حيث انسحبت القوات المعتدية بفضل صمود الشعب والجيش
المصري والضغوط الدولية. خرج ناصر من هذه الأزمة بطلاً قومياً ليس في مصر وحده، بل
في كل أرجاء الوطن العربي.
حلم الوحدة العربية والقومية الناصرية
كان جمال عبد الناصر يؤمن إيماناً مطلقاً بأن قوة العرب تكمن في
وحدتهم. تبنى فكر القومية العربية ودعم حركات التحرر في الجزائر، اليمن، العراق، ودول
الخليج.
في عام 1958، تحقق حلم الوحدة بإعلان الجمهورية العربية المتحدة
بين مصر وسوريا، ورغم أن هذه الوحدة لم تستمر طويلاً وانفصلت في عام 1961، إلا أنها
ظلت تجربة ملهمة لم تغب عن وجدان الشعوب العربية. كان خطاب ناصر يتجاوز الحدود، وكان
صوت "إذاعة صوت العرب" يجمع الجماهير من المحيط إلى الخليج.
نكسة 1967: الاختبار الأصعب
شهد عام 1967 أقسى لحظات حياة عبد الناصر ومصر الحديثة، حيث وقعت
الهزيمة العسكرية أمام إسرائيل في حرب يونيو (النكسة). تحمل ناصر المسؤولية كاملة وأعلن
تنحيه عن الحكم في خطاب عاطفي شهير يوم 9 يونيو 1967.
لكن الملايين من المصريين والعرب خرجوا في تظاهرات عفوية حاشدة
ترفض التنحي وتطالب ببقائه لإزالة آثار العدوان. عاد ناصر للحكم وبدأ فوراً في إعادة
بناء القوات المسلحة المصرية، ودخل في "حرب الاستنزاف" التي كبدت العدو خسائر
فادحة ومهدت الطريق لانتصارات أكتوبر لاحقاً.
الوفاة والجنازة الأسطورية
في 28 سبتمبر 1970، وبينما كان يودع الملوك والرؤساء العرب بعد
قمة طارئة في القاهرة لإنهاء أزمة "أيلول الأسود"، تعرض جمال عبد الناصر
لنوبة قلبية فارق على إثرها الحياة عن عمر ناهز 52 عاماً.
صدم الخبر العالم أجمع، وخرجت جنازته لتكون واحدة من أكبر الجنازات
في التاريخ البشري، حيث شارك فيها ملايين المشيعين في مشهد عكس الحب الجارف الذي كان
يكنه الشعب لزعيمه.
رحل جمال عبد الناصر جسداً، لكنه ظل باقياً كفكرة ومنهج. قد يختلف
المؤرخون حول بعض قراراته السياسية أو الاقتصادية، لكن أحداً لا يمكنه إنكار نزاهته
الشخصية وإخلاصه المطلق لوطنه وأمته. لقد نقل مصر من العصر الملكي الإقطاعي إلى العصر
الجمهوري الصناعي، ووضع اسم بلاده في صدارة المشهد العالمي.
"ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" – جمال عبد الناصر.
إشترك بالنشرة البريدية
الإبتساماتإخفاء