جبل راشمور
Mount Rushmore
عندما نفكر في الرموز التي تمثل الولايات المتحدة الأمريكية،
يبرز جبل راشمور كأحد أشهر المعالم التي تأسر مخيلة الملايين حول العالم. لكن وراء
هذه الوجوه الأربعة الضخمة المنحوتة في صخر الجرانيت، تكمن قصة غنية بالتحديات
الهندسية والصراعات السياسية والقضايا الأخلاقية التي لا تزال تثير الجدل حتى
يومنا هذا. في هذا البحث، سنستكشف تاريخ هذا النصب التذكاري العملاق منذ ولادته
الفكرية وحتى أحدث الاحتجاجات التي شهدها، مروراً بالأسرار الهندسية والتفاصيل الإنسانية
التي صنعت منه تحفة فنية فريدة.
بداية الفكرة: من حلم سياحي إلى رؤية وطنية
في عام 1923، كان المؤرخ الرسمي لولاية داكوتا الجنوبية دون
روبنسون يبحث عن وسيلة لجذب السياح إلى ولايته. كانت داكوتا الجنوبية تواجه صعوبات
اقتصادية وتحتاج إلى مصدر دخل جديد. خطر على بال روبنسون فكرة إنشاء نصب تذكاري
ضخم في منطقة بلاك هيلز، التي كانت تُعرف بجمالها الطبيعي الخلاب. في البداية،
تخيل روبنسون منحوتات لأبطال الغرب الأمريكي مثل المستكشفين لويس وكلارك، والمرشدة
ساكاجاويا، وزعيم قبيلة الأوغلالا لاكوتا "الغيمة الحمراء"، بالإضافة
إلى بطل الرعاة بافالو بيل كودي. كان يأمل أن يجذب هذا النصب عشاق المغامرة
والتاريخ الأمريكي إلى المنطقة.
لكن روبنسون كان بحاجة إلى نحات يتمتع بالخبرة الكافية لتنفيذ
مشروع بهذا الحجم. توجه نظره إلى غوتزون بورغلوم، النحات الأمريكي من أصل دنماركي
الذي كان يعمل آنذاك على نصب ضخم آخر في جبل ستون ماونتن بولاية جورجيا. كان
بورغلوم صديقاً مقرباً للنحات الفرنسي الشهير أوغست رودان، وقد درس الفن في باريس،
مما منحه رؤية فنية عالمية. لكن علاقة بورغلوم بمشروع ستون ماونتن كانت متوترة،
حيث اختلف مع المنظمين بشأن التصميم، وكان يبحث عن فرصة جديدة لتحقيق رؤيته الفنية
الطموحة.
عندما وصل بورغلوم إلى منطقة بلاك هيلز، رفض فكرة روبنسون
الأصلية بشأن أبطال الغرب. كان يرى أن النصب يجب أن يكون أكثر شمولية وأن يمثل
تاريخ الولايات المتحدة بأكمله، وليس فترة محددة. اقترح بدلاً من ذلك نحت وجوه
أربعة رؤساء أمريكيين يمثلون مراحل أساسية في تطور الأمة: جورج واشنطن كمؤسس
الدولة، وتوماس جيفرسون كرمز للتوسع غرباً، وأبراهام لينكولن كمنقذ الاتحاد،
وثيودور روزفلت كممثل للتطور الصناعي والحفاظ على البيئة. كانت هذه الرؤية أكثر
طموحاً بكثير مما تصوره روبنسون، لكنها وعدت بجذب اهتمام وطني ودولي.
اختيار الموقع والتحديات الأولى
لم يكن اختيار الموقع المناسب مهمة سهلة. في البداية، نظر
بورغلوم إلى تكوينات صخرية تُعرف باسم "نيدلز"، وهي أعمدة جرانيتية
شاهقة كانت جزءاً من طريق سياحي مشهور. لكن سرعان ما تبين أن هذه الصخور ضيقة جداً
وغير مستقرة لتحمل نحتاً بهذا الحجم. بالإضافة إلى ذلك، واجه المشروع معارضة شديدة
من محبي الطبيعة الذين لم يرغبوا في تغيير مظهر المنطقة الطبيعي.
في أغسطس 1925، خلال جولة استكشافية، اكتشف بورغلوم قمة بلاك
إلك، المعروفة محلياً باسم جبل راشمور. كان هذا الجبل يواجه الجنوب الشرقي، مما
يوفر أقصى قدر من التعرض لأشعة الشمس طوال اليوم، وهو أمر ضروري لإبراز تفاصيل
النحت. كان الجرانيت في هذا الموقع أكثر صلابة ومتانة، مما يعني أن المنحوتات
ستدوم لآلاف السنين. عند رؤيته للجبل، قال بورغلم بعبارة مشهورة: "أمريكا
ستسير على طول هذا الأفق".
لكن وراء هذا الاسم الشهير، تكمن قصة أقل شهرة. كان الجبل
يُعرف لدى قبيلة اللاكوتا السو باسم "الأجداد الستة" أو "تونكاشيلا
شاكبي"، وهو اسم يحمل دلالة روحية عميقة. في معتقدات اللاكوتا، يمثل الجبل
تجسيداً للآلهة في الاتجاهات الستة: الشمال والجنوب والشرق والغرب والأعلى
(السماء) والأسفل (الأرض). كان هذا الموقع مقدساً ومكاناً للصلاة وجمع الأعشاب
الطبية منذ قرون. أما الاسم "راشمور"، فقد جاء من محامٍ نيويوركي يُدعى
تشارلز إدوارد راشمور، كان يزور المنطقة في ثمانينيات القرن التاسع عشر للعمل في
مجال التعدين. عندما سأل دليله عن اسم الجبل، أجابه بأنه لم يكن له اسم، لكنه
سيُسمى من الآن فصاعداً باسم راشمور. استمر استخدام الاسم محلياً حتى تم الاعتراف
به رسمياً من قبل مجلس الأسماء الجغرافية الأمريكية في يونيو 1930.
التحديات السياسية
والمالية
لم تكن عملية بناء جبل راشمور مجرد تحدي هندسي، بل كانت أيضاً
معركة سياسية ومالية مستمرة. في البداية، واجه المشروع معارضة شديدة داخل ولاية
داكوتا الجنوبية نفسها. كان العديد من السكان يخشون تدفق السياحة وما قد يترتب على
ذلك من تغيير في طبيعة المنطقة الهادئة. كانت صحف محلية مثل "هوت سبرينغز
ستار" تنتقد المشروع بشراسة، وعارضته جمعيات نسائية وبيئية.
حصل المشروع على الموافقة الأولى من الحاكم كارل غوندرسون في
مارس 1925، لكن دون أي تخصيص مالي. كان بورغلوم يعتمد على التبرعات الخاصة والدعم
الفيدرالي. في صيف 1927، استغل بورغلم ذكاءه السياسي عندما علم أن الرئيس كالفين
كوليدج كان يقضي إجازته في منطقة بلاك هيلز. استأجر طائرة وألقى إكليلاً من الزهور
على مكان إقامة الرئيس لدعوته إلى حفل وضع حجر الأساس. وافق كوليدج على الحضور
وألقى خطاباً وعد فيه بالتمويل الفيدرالي للمشروع. في فبراير 1929، وقع كوليدج على
قانون النصب التذكاري لجبل راشمور الوطني، الذي خصص ما يصل إلى 250,000 دولار
كتمويل متطابق.
لكن الواقع كان أكثر تعقيداً. مع تولي هربرت هوفر الرئاسة،
تأخر صرف التمويل الفيدرالي. ومع اندلاع الكساد الكبير، أصبح الحصول على الأموال
أكثر صعوبة. كان السيناتور بيتر نوربيك، الذي يُعتبر أحد الآباء المؤسسين للمشروع،
يعمل بلا كلل لتأمين التمويل من خلال برامج الإغاثة الطارئة التي كانت جزءاً من
"الصفقة الجديدة" للرئيس فرانكلين روزفلت. لكن بورغلوم نفسه كان مصدراً
للمشاكل، إذ كان يُعرف بمزاجيته الشديدة وعناده. كان يُقيل العمال ويعيد توظيفهم
باستمرار، وكان يقضي فترات طويلة بعيداً عن الموقع يعمل على مشاريع أخرى في باريس
وبولندا.
في عام 1933، وقع الرئيس روزفلت أمراً تنفيذياً نقل إدارة
المشروع إلى خدمة المتنزهات الوطنية. كان هذا القرار يهدف إلى تحسين الكفاءة، لكنه
أثار استياء بورغلم الذي رأى فيه تدخلاً حكومياً في رؤيته الفنية. استطاع بورغلم
استعادة السيطرة على المشروع في عام 1938، لكن ذلك لم يحل مشكلة التمويل المستمر.
الهندسة المعمارية: فن وخطورة
بدأ العمل الفعلي في نحت الجبل في الرابع من أكتوبر عام 1927.
كان الفريق يتكون في البداية من عمال مناجم كانوا قد جاءوا إلى بلاك هيلز بحثاً عن
الذهب. لم يكونوا فنانين بالمعنى التقليدي، لكنهم امتلكوا مهارات فريدة في استخدام
الديناميت والمثاقب، وهي المهارات التي كانت ضرورية لهذا النوع من العمل.
استخدم بورغلم تقنية مبتكرة لنقل تصميماته من النموذج الصغير
إلى الجبل. صمم جهازاً يُعرف بـ"آلة التوجيه"، وهي عبارة عن منصات مسطحة
مزودة بذراع طويل وكرة رصاص معلقة. كان يأخذ آلاف القياسات على نموذج مصغر بنسبة
1:12، ثم يضربها في اثني عشر لنقلها إلى الجبل. بعد ذلك، كان العمال يرسمون علامات
باللون الأحمر على الصخر لتحديد الملامح التي يجب نحتها وعمق كل جزء.
كان الديناميت يُستخدم لإزالة 90% من الصخر غير المرغوب فيه.
كان العمال بارعين لدرجة مذهلة في حساب كمية المتفجرات اللازمة، حتى أنهم تمكنوا
من الاقتراب من 3 إلى 5 بوصات من الشكل النهائي المطلوب. بعد ذلك، استخدموا تقنية
تُعرف بـ"تخلية الخلايا" أو "الهونيكومبينج"، حيث كانوا
يحفرون ثقوباً صغيرة متقاربة بشكل كثيف، ثم يكسرون قطع الجرانيت بأيديهم. كانت هذه
القطع تتفتت بسهولة بسبب قرب الثقوب من بعضها. في المرحلة الأخيرة، استخدموا أداة
تلميع مزودة برأس ماسي دوار لجعل سطح الوجوه ناعماً كالرصيف الخرساني.
كان العمل خطيراً بشكل لا يمكن تصوره. كان العمال يُنزلون على
وجه الجبل باستخدام كراسي معلقة تُعرف بـ"كراسي البوسن"، مربوطة بأسلاك
فولاذية سمكها 3/8 بوصة. كانوا يُرفعون ويُخفضون بواسطة رافعات يدوية يشغلها
زملاؤهم في قمة الجبل. إذا تحرك مشغل الرافعة بسرعة كبيرة، كان العامل يُجر على
وجه الجبل. كان هناك "صبيان النداء" يجلسون على جانب الجبل لنقل
التعليمات بين العامل والمشغل. على الرغم من هذه الخطورة الشديدة، لم يُسجل أي
حالة وفاة خلال سنوات البناء الأربع عشرة، وهو إنجاز هندسي وأمني يُحسب للفريق.
كان الوصول إلى قمة الجبل تحدياً بحد ذاته. بني سلم يتكون من
506 درجة و45 منحدراً، يعادل ارتفاع مبنى من أربعين طابقاً. كما تم إنشاء خط ترام
لنقل الأدوات والإمدادات، ثم تم تجهيزه لاحقاً بمكابح طوارئ لنقل العمال بأمان.
الوجوه الأربعة: قصة كل رئيس
بدأ نحت وجه جورج واشنطن أولاً، واستغرق سبع سنوات بسبب عدم
الاستقرار الاقتصادي الناجم عن الكساد الكبير. تم إنجازه وإهداؤه للجمهور في
الرابع من يوليو عام 1934. أصبح تقليداً وضع علم أمريكي كبير فوق الرأس قبل الكشف
عنه، وتبعت هذه العادة مع بقية الرؤساء.
كان توماس جيفرسون التحدي الأكبر. بدأ نحته في البداية على
يمين واشنطن، لكن بعد ثمانية عشر شهراً من العمل، اكتشف الفريق أن الصخور في هذا
الموقع غير مناسبة بسبب كثرة الكوارتز. لم يكن أمام بورغلم خيار سوى تفجير الوجه
الجزئي وإعادة نحته على يسار واشنطن. هذه الحادثة تُظهر مدى الجرأة والمرونة التي
كان يتعامل بها الفريق مع التحديات.
أما أبراهام لينكولن، فكان تحدياً فنياً بسبب لحيته الكثيفة
التي تتطلب نحتاً دقيقاً للغاية. تم إنجاز وجهه في أقصى يمين الجرف، وتم تدشينه في
السابع عشر من سبتمبر عام 1937، بالتزامن مع الذكرى المائة والخمسين لتوقيع
الدستور الأمريكي. كان ثيودور روزفلت الأخير، واضطر الفريق للحفر 80 قدماً إلى
الخلف في الجبل للعثور على صخر صلب مناسب. تم تدشين وجهه في الثاني من يوليو عام
1939.
كان من المقرر أن يمتد النحت ليشمل أجساد الرؤساء حتى الخصر،
مع لوحة ضخمة تحمل حروفاً مطلية بالذهب يبلغ ارتفاعها ثمانية أقدام تخلّد إنجازات
التوسع الأمريكي. لكن نقص التمويل أجبر على إنهاء العمل عند الوجوه فقط.
قاعة السجلات: سر الجبل المخفي
في عام 1938، بدأ بورغلم سراً في نحت "قاعة
السجلات" خلف رؤوس الرؤساء، وتحديداً خلف رأس أبراهام لينكولن. كان يحلم
بإنشاء خزانة ضخمة تحتوي على الوثائق الحيوية للأمة مثل الدستور وإعلان الاستقلال،
بالإضافة إلى معلومات تشرح قصة جبل راشمور وتاريخ الولايات المتحدة. لكن عندما
اكتشف الكونغرس المشروع، هدد بقطع جميع التمويل ما لم يُستخدم حصرياً لإنهاء
الوجوه. اضطر بورغلم للتوقف عن العمل في القاعة عام 1939.
لم تُنسَ رؤية بورغلم تماماً. في عام 1998، تم إنجاز جزء من
حلمه عندما قام مسؤولون من الولاية بإغلاق ألواح خزفية تحتوي على نصوص من وثائق
أساسية في خزانة داخل القاعة غير المكتملة. أصبحت قاعة السجلات مشهورة بين الجمهور
بعد ظهورها في فيلم "الكنز الوطني: كتاب الأسرار" عام 2007، لكنها لا
تزال مغلقة أمام الزوار.
الجانب المظلم: السرقة والاحتجاج
لا يمكن الحديث عن جبل راشمور دون التطرق إلى القضية الأكثر
إثارة للجدل: أرضه كانت ملكاً لقبائل السو الهندية. في معاهدة فورت لارامي عام
1868، منحت الحكومة الأمريكية لشعب السو حق الاستخدام الحصري لمنطقة بلاك هيلز إلى
الأبد. لكن بعد ست سنوات فقط، عندما اكتشف الجنرال جورج كاستر الذهب في المنطقة،
انتهكت الولايات المتحدة المعاهدة وأعادت رسم الحدود.
في عام 1980، حكمت المحكمة العليا الأمريكية بأن الحكومة قد
تصرفت بشكل غير قانوني عندما كسرت المعاهدة في السبعينيات من القرن التاسع عشر. تم
تخصيص صندوق تعويضات يبلغ قيمته اليوم أكثر من مليار دولار، لكن قبائل السو رفضت استلام
المال وما زالت تطالب باستعادة الأرض. هذا النزاع المستمر دفع بعض النقاد إلى وصف
النصب بأنه "مزار للنفاق".
في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1970، تسلل ثلاثة وعشرون
ناشطاً من السكان الأصليين إلى قمة الجبل واحتلوها احتجاجاً على انتهاك المعاهدة. أقاموا
مخيماً وظلوا هناك حتى نوفمبر، عندما أجبرهم الطقس السيئ على المغادرة. وصف أحد
الناشطين، ليمان برايتمان، هذا الحدث بأنه "أول انتفاضة للهنود السيو"
منذ عصر كاستر. منذ ذلك الحين، أصبح جبل راشمور موقعاً رئيسياً للاحتجاجات السنوية
التي تطالب بالعدالة للسكان الأصليين.
الحياة على الجبل: كرة القدم والصداقات
على الرغم من الصعوبات، كانت هناك لحظات من الفرح والترفيه
خلال سنوات البناء. كان بورغلم وابنه لينكولن يتمتعان بروح تنافسية شديدة، لدرجة
أنهما شكلا فريقاً للبيسبول من عمال المشروع. في عام 1939، تأهل فريق "حفارو
راشمور" إلى نصف نهائي بطولة داكوتا الجنوبية للهواة، وحل في المركز الثاني.
كان بورغلم يوظف الشباب أحياناً بناءً على مهاراتهم في البيسبول أكثر من مهاراتهم
في النحت.
كان دونالد "نيك" كليفورد، الذي وُظف عام 1938 وهو
في السابعة عشرة من عمره، أصغر نحات عمل على المشروع وأحد لاعبي الفريق. عاش حتى
عام 2019، وهو آخر ناجٍ من فريق البناء، وتوفي عن عمر يناهز 98 عاماً. كانت قصصه
الشفهية مصدراً ثميناً لفهم الحياة اليومية على الجبل.
الإرث والمستقبل
أعلن عن اكتمال المشروع في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام
1941، بعد أشهر قليلة من وفاة بورغلم في مارس من نفس العام. تولى ابنه لينكولن
إدارة الأشهر الأخيرة من العمل. بلغت التكلفة الإجمالية للمشروع 989,992.32 دولار،
أي أقل من مليون دولار، وهو مبلغ زهيد مقارنة بالإنجاز الهندسي الذي تحقق. استغرق البناء
أربع عشرة سنة، منها ست سنوات ونصف من العمل الفعلي، والباقي بسبب تأخيرات الطقس
ونقص التمويل.
اليوم، يزور جبل راشمور ما يقرب من ثلاثة ملايين سائح سنوياً.
يبلغ ارتفاع كل وجه 60 قدماً، وعيون الرؤساء عبارة عن ثقوب محفورة بعمق 20 بوصة،
مع مكعبات من الجرانيت تُمثل بريق العين لإضفاء الواقعية. تم إزالة أكثر من 800
مليون رطل من الصخور، وما زال السطح ناعماً كالرصيف الخرساني بعد أكثر من ثمانين
عاماً.
لكن جبل راشمور ليس الوحيد في المنطقة. في عام 1948، بدأ
النحات كوركزاك زيولكوفسكي، الذي عمل مساعداً لبورغلم لمدة 19 يوماً قبل أن يختلف
معه ويغادر، في نحت تمثال "كريزي هورس" التذكاري القريب. هذا النصب،
الذي يصور الزعيم الأوغلالا لاكوتا على حصانه وهو يشير إلى أرض قبيلته، يُعتبر
رداً على جبل راشمور من منظور السكان الأصليين. عند اكتماله، سيكون أكبر نحت جبلي
في العالم، حيث يبلغ ارتفاع وجه كريزي هورس وحده 87 قدماً.
جبل راشمور هو أكثر من مجرد نصب تذكاري؛ إنه مرآة تعكس
تعقيدات التاريخ الأمريكي. من حلم سياحي بسيط إلى رمز وطني عالمي، مر بتحديات
هندسية هائلة وصراعات سياسية مريرة وقضايا أخلاقية لا تزال قائمة. يمثل الوجوه
الأربعة إنجازات عظيمة في تاريخ الولايات المتحدة، لكن الجبل نفسه يحمل في صخره
ذاكرة أقدم بكثير لشعب كان يعتبر هذه الأرض مقدسة. بين العظمة والجدل، يظل جبل
راشمور شاهداً صامتاً على قدرة البشر على تحويل الجبال إلى رموز، وعلى ضرورة مواجهة
التاريخ بكل أوجهه، المشرقة والمظلمة على حد سواء.
إشترك بالنشرة البريدية
الإبتساماتإخفاء