عمود النصر
Victory column
يُعد عمود النصر(Siegessäule) في برلين ليس مجرد نصب تذكاري من الحجر والمعدن، بل هو شاهد عيان
على تحولات كبرى صاغت وجه أوروبا الحديثة. إذا كنت تخطط لزيارة العاصمة الألمانية،
أو كنت شغوفاً بالتاريخ المعماري والعسكري، فإن هذا المقال سيأخذك في رحلة مفصلة حول
واحد من أبرز المعالم السياحية في ألمانيا.
سنغوص في تفاصيل بنائه،
والحروب التي خُلد ذكراها من خلاله، وكيف تحول من رمز للقوة العسكرية البروسية إلى
أيقونة ثقافية تظهر في الأفلام العالمية والمهرجانات الموسيقية.
تاريخ
عمود النصر: من ساحة الملك إلى قلب "النجمة الكبيرة"
بدأت قصة عمود النصر
في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً في عام 1864. صممه المهندس المعماري هينريش ستراك
للاحتفال بانتصار بروسيا في الحرب الدنماركية البروسية. ومع ذلك، وبحلول وقت اكتماله
في عام 1873، كانت بروسيا قد حققت انتصارات إضافية مذهلة في "حروب التوحيد"،
مما أضاف للنصب أبعاداً جديدة.
الحروب
الثلاثة التي شكلت النصب
بُني العمود لتخليد
ذكرى الانتصارات في ثلاث حروب أساسية أدت إلى تأسيس الإمبراطورية الألمانية:
1. الحرب الدنماركية (1864): التي كانت الشرارة
الأولى.
2. الحرب النمساوية البروسية (1866): التي ثبتت
هيمنة بروسيا.
3. الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871): التي
انتهت بإعلان قيام الإمبراطورية الألمانية في قصر فرساي.
تغيير
الموقع في العهد النازي
في الأصل، كان العمود
يقع في ساحة "كونيغسبلاتز" (ساحة الجمهورية حالياً) أمام مبنى الرايخستاغ.
ولكن في عام 1939، كجزء من خطة هتلر والمهندس ألبرت شبير لتحويل برلين إلى "جيرمانيا"
(عاصمة العالم)، تم نقل العمود إلى موقعه الحالي في وسط حديقة تيرغارتن، وتحديداً في
ميدان "النجمة الكبيرة" (Großer Stern).
هذا النقل لم يحمِ
العمود من الدمار خلال الحرب العالمية الثانية فحسب، بل منحه أيضاً ارتفاعاً إضافياً،
حيث تمت إضافة طبقة رابعة للقاعدة، مما جعله يبدو أكثر ضخامة وشموخاً.
الوصف
المعماري والهندسي لعمود النصر
عند النظر إلى عمود
النصر، لا يمكنك إلا أن تنبهر بالتفاصيل الدقيقة التي تجمع بين الفن العسكري والجماليات
الكلاسيكية.
1. القاعدة والفسيفساء
ترتكز القاعدة على
منصة دائرية مزينة برسومات فسيفسائية مذهلة صممها "أنطون فون فيرنر". تصور
هذه اللوحات الفنية لحظات تأسيس الإمبراطورية الألمانية ونتائج الحروب. بالرغم من تضرر
بعض أجزائها خلال الحرب، إلا أنها خضعت لعمليات ترميم دقيقة لتعود إلى بهائها الأصلي.
2. أسطوانات العمود
والمدافع
يتكون العمود من أربع
قطع أسطوانية ضخمة. المثير للاهتمام هو أن الأسطوانات الثلاث الأولى مزينة بـ 60 فوهة مدفع مطلية بالذهب، وهي مدافع حقيقية غنمها
الجيش البروسي من أعدائه في الحروب الثلاث المذكورة (الدنمارك، النمسا، فرنسا). أما
الطبقة الرابعة التي أضيفت لاحقاً، فهي مزينة بإكليل من الغار الذهبي.
3. تمثال "فيكتوريا" الذهبي
في قمة العمود، يرتفع
تمثال "فيكتوريا"، إلهة النصر في الأساطير الرومانية. يبلغ طول التمثال وحده
8.3 متر ويزن حوالي 35 طناً. أطلق عليه سكان برلين بأسلوبهم الساخر المعتاد لقب
"ليزا الذهبية" (Goldelse).
- التصميم: صممه النحات فريدريش درايك
- المظهر: تمسك فيكتوريا بيدها اليمنى إكليلاً من الغار، وفي يدها اليسرى رمحاً يعلوه الصليب الحديدي
تسلق
عمود النصر: تجربة سياحية لا تُنسى
إذا كنت تمتلك اللياقة
الكافية، فإن صعود عمود النصر هو أحد أفضل الأنشطة التي يمكنك القيام بها في برلين.
الدرج
والمشقة الممتعة
لا يوجد مصعد داخل
العمود. للوصول إلى منصة المشاهدة، يتعين عليك صعود 285 درجة من السلالم الحلزونية
الضيقة. قد يكون الأمر مرهقاً للبعض، ولكن المكافأة في الأعلى تستحق العناء.
الإطلالة
البانورامية
من منصة المشاهدة
التي يبلغ ارتفاعها حوالي 50 متراً، ستحصل على رؤية شاملة بزاوية 360 درجة لمدينة برلين:
- بوابة براندنبورغ: تظهر في الأفق كرمز للوحدة
- برج التلفزيون: يبرز في الخلفية كمعلم حديث
- قصر بيلفو: مقر إقامة الرئيس الألماني الذي يقع على مسافة قريبة
نصيحة للمصورين"التوقيت المثالي للصعود هو وقت الغروب، حيث تنعكس أشعة الشمس على تمثال
فيكتوريا الذهبي وعلى الأشجار المحيطة، مما يوفر فرصة لالتقاط صور مذهلة"
عمود
النصر في الثقافة الشعبية والعالمية
لم يعد العمود مجرد ذكرى لحروب غابرة، بل أصبح جزءاً حيوياً من الثقافة المعاصرة.
1.في السينما
اشتهر العمود عالمياً من خلال فيلم المخرج فيم فيندرز الكلاسيكي "Wings of Desire" (أجنحة الرغبة) عام 1987، حيث تظهر الملائكة وهي تجلس على كتف تمثال فيكتوريا تراقب سكان المدينة.كان "ميدان النجمة الكبيرة" المحيط بالعمود هو المركز الرئيسي لـ مهرجان حب برلين(Love Parade)، أحد أكبر مهرجانات الموسيقى الإلكترونية في العالم، حيث كان العمود يمثل نقطة التجمع لمئات الآلاف من الراقصين والمحتفلين.
معلومات
تهم الزائر
العنوان: Großer Stern, 10557 Berlin
ساعات العمل: يومياً
من 9:30 صباحاً حتى 6:30 مساءً (تختلف في الشتاء)
رسوم الدخول: حوالي
3.50 إلى 4 يورو (تأكد من الأسعار المحدثة)
أقرب محطة مترو: محطة Hansaplatz (U9) أو محطة Bellevue (S-Bahn) |
كيفية
الوصول؟
يقع العمود في وسط
حديقة تيرغارتن. يمكنك المشي من بوابة براندنبورغ عبر شارع "17 يونيو" (Straße des 17. Juni)، وهي مشية ممتعة تستغرق حوالي 20 دقيقة وسط الخضرة.
للوصول إلى العمود نفسه، يجب استخدام أنفاق المشاة تحت الطريق المزدحم، فلا تحاول عبور
الميدان جرياً بين السيارات!
نصائح
إضافية لزيارة مثالية
1. الملابس: ارتدِ أحذية مريحة جداً لصعود السلالم الحلزونية.
2.
الطقس: حاول اختيار يوم صافٍ؛ الضباب في برلين قد يحجب الرؤية تماماً من الأعلى.
3. الجولات المشتركة: قم بدمج زيارة العمود مع جولة في حديقة حيوان برلين
القريبة أو زيارة لمبنى الرايخستاغ.
يظل "عمود النصر"
في برلين معلماً يجمع بين التناقضات؛ فهو يجمع بين الذهب البراق والمدافع الصدئة، وبين
التاريخ الحربي الصارم والروح الثقافية المنفتحة. سواء كنت مهتماً بالتاريخ، الهندسة
المعمارية، أو فقط تبحث عن إطلالة رائعة على واحدة من أجمل مدن أوروبا، فإن زيارة هذا
العمود هي تجربة ضرورية لفهم روح برلين الحقيقية.
لا تفوت فرصة الوقوف
تحت أقدام "ليزا الذهبية" واستشعار عظمة التاريخ الألماني الذي كُتب تفاصيله
على أحجار هذا النصب الشامخ.
إشترك بالنشرة البريدية
الإبتساماتإخفاء